أصبح الابتزاز الإلكتروني من أبرز صور الجرائم التي ظهرت مع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة. ويستغل مرتكب الابتزاز في كثير من الحالات صورًا أو محادثات أو معلومات شخصية حصل عليها من الضحية، ثم يستخدمها للتهديد أو الضغط بهدف الحصول على المال أو إجبار الضحية على القيام بفعل معين أو الامتناع عنه.
وتكمن خطورة الابتزاز الإلكتروني في أن آثاره قد تمتد إلى الحياة الشخصية والاجتماعية والمهنية للضحية، كما أن انتشار المحتوى عبر الإنترنت يمكن أن يحدث خلال فترة قصيرة جدًا. ولهذا حرص المشرع المصري على مواجهة الجرائم التي تُرتكب باستخدام وسائل وتقنيات المعلومات من خلال مجموعة من النصوص القانونية.
ما هو الابتزاز الإلكتروني؟
الابتزاز الإلكتروني هو استخدام وسائل الاتصال أو التكنولوجيا للضغط على شخص وتهديده بإفشاء أو نشر معلومات أو صور أو مقاطع أو محادثات خاصة به، بهدف تحقيق منفعة أو إجباره على تنفيذ طلب معين.
وقد يأخذ الابتزاز صورًا متعددة، من بينها:
- التهديد بنشر صور أو مقاطع خاصة.
- التهديد بنشر محادثات شخصية.
- طلب مبالغ مالية مقابل عدم نشر معلومات أو محتوى خاص.
- إجبار الضحية على تنفيذ طلبات معينة تحت التهديد.
- تهديد شخص بإرسال محتوى خاص إلى أفراد أسرته أو زملائه.
- إنشاء حسابات مزيفة بهدف تهديد شخص أو الإساءة إليه.
- استخدام حسابات أو بيانات شخصية تم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة للضغط على الضحية.
ولا يشترط أن يكون الابتزاز بهدف الحصول على المال فقط، فقد يكون الهدف إجبار الضحية على القيام بفعل آخر أو الامتناع عن القيام بفعل، بحسب ظروف الواقعة.
الابتزاز الإلكتروني في القانون المصري
لا يوجد نص قانوني واحد يحمل اسم “جريمة الابتزاز الإلكتروني” ويغطي جميع صورها، وإنما قد تنطبق على الواقعة مجموعة من النصوص القانونية بحسب طبيعة الفعل الذي ارتكبه الجاني.
ومن أهم التشريعات المرتبطة بهذا النوع من الجرائم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والذي وضع إطارًا قانونيًا لمواجهة عدد من الجرائم المرتكبة باستخدام تكنولوجيا المعلومات.
كما يمكن أن تنطبق نصوص أخرى من قانون العقوبات، بحسب ما إذا كانت الواقعة تتضمن تهديدًا أو سبًا أو قذفًا أو انتهاكًا للخصوصية أو أفعالًا أخرى مجرمة قانونًا.
التهديد بنشر الصور والمعلومات الخاصة
من أكثر صور الابتزاز الإلكتروني شيوعًا تهديد الضحية بنشر صور أو معلومات تتعلق بحياتها الخاصة.
وقد جرم قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة باستخدام وسائل تقنية المعلومات، كما جرم نشر صور أو معلومات أو أخبار تنتهك خصوصية أي شخص دون رضاه في الحالات التي حددها القانون.
وتنص المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 على عقوبة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه ولا تجاوز 100 ألف جنيه، أو إحدى هاتين العقوبتين، بالنسبة للأفعال التي تندرج تحت النص.
وهذا يؤكد أن نشر أو تداول المحتوى الخاص بالآخرين ليس أمرًا مباحًا لمجرد أن الشخص حصل عليه أو تمكن من الوصول إليه.
ماذا لو طلب المبتز أموالًا؟
في بعض الحالات يطلب الجاني من الضحية تحويل مبلغ مالي مقابل عدم نشر الصور أو المحادثات أو المعلومات التي بحوزته.
وهنا قد تتداخل عدة نصوص قانونية بحسب تفاصيل الواقعة، وقد تكون المسؤولية الجنائية أشد إذا اقترنت عملية الابتزاز بالتهديد أو الحصول على المال أو ارتكاب جرائم أخرى.
لذلك لا ينبغي للضحية أن تفترض أن دفع المال سيؤدي بالضرورة إلى انتهاء المشكلة؛ فقد يستمر الجاني في طلب مبالغ إضافية بعد الاستجابة لطلبه الأول.
هل نشر المحتوى بعد رفض الضحية تنفيذ طلب المبتز يزيد من المسؤولية؟
قد يؤدي قيام المبتز فعلًا بنشر الصور أو المحادثات أو المعلومات إلى انطباق نصوص قانونية إضافية بحسب طبيعة المحتوى وطريقة الحصول عليه وطريقة نشره.
فإذا كان المحتوى متعلقًا بالحياة الخاصة، فقد تكون هناك مسؤولية مرتبطة بانتهاك الخصوصية، وإذا تضمن النشر سبًا أو قذفًا أو تشهيرًا، فقد تنطبق نصوص أخرى.
ولهذا لا يمكن تحديد العقوبة النهائية بمجرد وصف الواقعة بأنها “ابتزاز إلكتروني”، وإنما يتم تحديدها وفقًا للوقائع والأدلة والنصوص التي تنطبق عليها.
ماذا تفعل إذا تعرضت للابتزاز الإلكتروني؟
عند التعرض للابتزاز الإلكتروني، من المهم التصرف بهدوء وعدم اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى فقدان الأدلة.
ومن الأفضل اتباع الخطوات التالية:
1. عدم الاستجابة للتهديد
لا ينبغي الدخول في مفاوضات طويلة مع المبتز أو الاستجابة لمطالبه لمجرد الخوف من نشر المحتوى.
2. الاحتفاظ بالأدلة
يجب الاحتفاظ بالرسائل والمحادثات ولقطات الشاشة واسم الحساب أو رقم الهاتف وأي روابط أو بيانات مرتبطة بالواقعة.
كما يُفضل عدم حذف المحادثات أو الملفات التي يمكن أن تساعد في إثبات الجريمة.
3. عدم تحويل الأموال
إذا كان المبتز يطلب أموالًا، فإن دفع المبلغ لا يضمن توقف الابتزاز، وقد يؤدي إلى استمرار طلبات المبتز.
4. تأمين الحسابات
ينبغي تغيير كلمات المرور وتفعيل المصادقة الثنائية ومراجعة الأجهزة المرتبطة بالحسابات، خصوصًا إذا كان هناك احتمال أن المبتز تمكن من الوصول إلى أحد الحسابات.
5. التوجه إلى الجهات المختصة
ينبغي الإبلاغ عن الواقعة إلى الجهات المختصة وتقديم الأدلة المتاحة، خصوصًا عندما يتضمن الأمر تهديدًا جديًا أو ابتزازًا مستمرًا أو نشرًا لمحتوى خاص.
هل حذف الحساب أو الرسائل ينهي المشكلة؟
حذف الحساب أو الرسائل لا يعني بالضرورة انتهاء المسؤولية القانونية أو اختفاء الأدلة المتعلقة بالواقعة.
وفي المقابل، قد يؤدي حذف المحادثات أو تغيير البيانات بطريقة عشوائية إلى فقدان معلومات يمكن أن تكون مفيدة عند الإبلاغ عن الجريمة.
لذلك من الأفضل الاحتفاظ بالأدلة المتاحة وعدم حذفها قبل الحصول على التوجيه القانوني المناسب.
هل يمكن أن يكون الابتزاز من شخص مجهول؟
نعم، وقد يستخدم مرتكب الجريمة حسابًا وهميًا أو اسمًا مستعارًا أو رقمًا غير معروف للضحية.
لكن استخدام حساب مجهول لا يعني بالضرورة استحالة الوصول إلى مرتكب الواقعة، إذ قد تعتمد جهات التحقيق على البيانات الفنية والأدلة الرقمية المتاحة لتحديد مصدر النشاط الإلكتروني، وفقًا للإجراءات القانونية المقررة.
دور الأدلة الرقمية في جرائم الابتزاز
تكتسب الأدلة الرقمية أهمية كبيرة في جرائم الابتزاز الإلكتروني، ومن بينها الرسائل الإلكترونية، والمحادثات، والصور، ومقاطع الفيديو، وروابط الحسابات، وأرقام الهواتف، وبيانات الحسابات، وغيرها من البيانات التي يمكن أن تساعد في إثبات الواقعة.
ولهذا يجب التعامل مع الأدلة الرقمية بحذر، وعدم تعديلها أو حذفها دون حاجة، والاحتفاظ بنسخ منها قدر الإمكان.
هل نشر صورة أو محادثة خاصة دون تهديد يعتبر جريمة؟
قد يكون نشر المحتوى الخاص دون تهديد جريمة في حد ذاته إذا توافرت عناصر الجريمة التي يحددها القانون.
فالمسؤولية لا ترتبط دائمًا بوجود طلب مالي أو تهديد مباشر؛ إذ إن الاعتداء على الخصوصية أو نشر معلومات أو صور خاصة دون رضا صاحبها قد يخضع لنصوص قانونية مستقلة.
وتختلف المسؤولية والعقوبة بحسب طبيعة المحتوى وطريقة الحصول عليه ووسيلة نشره والظروف المحيطة بالواقعة.
كيف يساهم القانون في حماية ضحايا الابتزاز الإلكتروني؟
يمثل قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات خطوة مهمة في مواجهة الجرائم التي تستغل التكنولوجيا للإضرار بالأفراد، خاصة مع توسع الاعتماد على الإنترنت في التواصل وتبادل البيانات.
إلا أن مكافحة الابتزاز الإلكتروني لا تعتمد على العقوبات وحدها، وإنما تتطلب أيضًا رفع الوعي الرقمي، وحماية الحسابات والبيانات الشخصية، وعدم مشاركة المواد الحساسة مع الآخرين، والإبلاغ المبكر عن محاولات الابتزاز.
الخلاصة
الابتزاز الإلكتروني جريمة خطيرة يمكن أن تتخذ صورًا متعددة، ولا تقتصر على طلب المال مقابل عدم نشر الصور أو المعلومات الخاصة. فقد يكون الابتزاز من خلال التهديد أو الضغط أو إجبار الضحية على القيام بفعل معين، وقد تتداخل معه جرائم أخرى مثل انتهاك الخصوصية أو السب والقذف أو التهديد، بحسب ظروف كل حالة.
وقد وضع المشرع المصري في قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 عددًا من النصوص التي تواجه صورًا مختلفة من الاعتداءات المرتكبة باستخدام وسائل تقنية المعلومات، إلى جانب النصوص الأخرى الواردة في التشريعات المصرية.
وعند التعرض للابتزاز الإلكتروني، فإن التصرف الصحيح لا يكون بالاستسلام للمبتز أو الدخول معه في مواجهة، وإنما بالحفاظ على الأدلة، وتأمين الحسابات، وعدم الاستجابة للمطالب قدر الإمكان، والتوجه إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
تنبيه: هذه المقالة للتوعية القانونية العامة ولا تُعد استشارة قانونية أو بديلًا عن استشارة محامٍ، لأن تحديد الجريمة والعقوبة في واقعة معينة يتوقف على تفاصيلها والأدلة المتوافرة والنصوص القانونية التي تنطبق عليها.
